الشيخ محمد رشيد رضا

213

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

والاتلاف . والقصد أن يكون الجزاء على قدر الاعتداء بلا حيف ولا ظلم ، وأزيد على هذا ما هو أولى بالمقام وهو المماثلة في قتال الأعداء كقتل المجرمين بلاضعف ولا تقصير ، فالمقاتل بالمدافع والقذائف النارية أو الغازية السامة يجب أن يقاتل بها ، وإلا فاتت الحكمة لشرعية القتال وهي منع الظلم والعدوان ، والفتنة والاضطهاد ، وتقرير الحرية والأمان ، والعدل والاحسان . وهذه الشروط والآداب لا توجد إلا في الاسلام ، ولذلك قال تعالى بعد شرح القصاص والمماثلة وَاتَّقُوا اللَّهَ فلا تعتدوا على أحد ولا تبتغوا ولا تظلموا في القصاص بأن تزيدوا في الايذاء . وأكد الامر بالتقوى بما بين من مزيتها وفائدتها فقال وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ بالمعونة والتأييد ، فان المتقي هو صاحب الحق وبقاؤه هو الأصلح ، والعاقبة له في كل ما ينازعه به الباطل ، لان من أصول التقوى اتقاء جميع أسباب الفشل والخذلان . * * * ولما كان الجهاد بالنفس وهو القتال ، يتوقف على الجهاد بالمال ، أمرهم به فقال وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وهو عطف على قاتلوا رابط لاحكام القتال والحج بحكم الأموال السابق ، فهناك ذكر ما يحرم من أكل المال مجملا ، وههنا ذكر ما يجب من انفاقه منه كذلك ، وسبيل اللّه هو طريق الخير والبر والدفاع عن الحق . ثم ذكر علة هذا الامر وحكمته على ما هي سنته في ضمن حكم آخر فقال وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ بالامساك عن الانفاق في الاستعداد للقتال ، فان ذلك يضعفكم ويمكن الأعداء من نواصيكم فتهلكون . ويدخل في النهي التطوّح في الحرب بغير علم بالطرق الحربية التي يعرفها العدو كما يدخل فيه كل مخاطرة غير مشروعة ، بأن تكون لاتباع الهوى لا لنصر الحق وتأييد حزبه . وقال بعضهم يدخل فيه الاسراف الذي يوقع صاحبه في الفقر المدقع فهو من قبيل « كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا » وفسر الجلال سبيل اللّه « بطاعته : الجهاد وغيره » والتهلكة « بالامساك عن النفقة وترك الجهاد » قال لأنه يقوي العدو عليكم . قال الأستاذ الامام : أصاب مفسرنا وأجاد في تفسير هذه الآية ، وقال بعضهم في تفسير النهي عن التهلكة أي